الفراغات الحضرية: من أبو ظبي إلى بسكرة، لماذا لا تُستخدم المساحات المفتوحة؟
دراسةٌ تمتدّ عبر الخليج والصحراء وجدت أنّ إمكانية الوصول لا تعني معدل الاستخدام. عندما نتحدث عن المدن الصالحة للعيش، فما الذي نتحدث عنه بالضبط؟
بقلم Lucas Meyerفي ظهيرة أبوظبي، تبيضّ الشوارع تحت أشعة الشمس. في الجادات الواسعة، تتدفق المركبات دون انقطاع، وعلى طرفي الطريق تكتسي الحدائق بالخضرة، غير أنك لا تسمع في الغالب سوى صوت مرشّات المياه. وفي بسكرة بالجزائر، في الساحة الواقعة على أطراف المدينة القديمة، يجلس الناس على درجات حجرية يحتسون الشاي ويراقبون الأطفال وهم يطاردون الحمام — لا توجد هناك علامات كثيرة على التصميم المقصود، لكن المكان يفيض بروح «الاستخدام».
هذان المشهدان صورة مصغّرة لفلسفتين حضريتين مختلفتين. دراسة من مجلة «Frontiers in Sustainable Cities» تضع هاتين المدينتين اللتين تبدوان بلا أي صلة تحت عدسة واحدة، محاولةً الإجابة عن سؤال يبدو بسيطاً: لماذا تتزاحم بعض الأماكن المفتوحة دائماً بالناس، في حين تظل أماكن أخرى — حتى وإن كانت مصممة بإتقان — شبه مهجورة؟
استخدم فريق البحث تحليل التركيب المكاني (Space Syntax)، إلى جانب ملاحظات ميدانية لحركة المشاة، لمقارنة قابلية الوصول إلى الأماكن المفتوحة وحركة المشاة الفعلية في كل من أبوظبي وبسكرة. والمثير للدهشة أنه في أبوظبي، لم تتحول بعض المناطق المصنّفة ضمن «عالية التكامل» في البنية المكانية إلى أماكن تتجمع فيها الحشود؛ بينما في بسكرة، تعجّ بالحياة أماكن كثيرة يصعب الوصول إليها، وذلك بفضل العادات اليومية للسكان.
لا تسعى هذه الدراسة إلى إنكار قيمة قابلية الوصول في المدن الجديرة بالحياة. بل على العكس، تذكّرنا بأن منطق استخدام الفضاء الحضري أكثر تعقيداً بكثير من مجرد خريطة.
مدينتان، وسببان مختلفان للمشي
لقد سلّمت النسيج الحضري في أبوظبي زمام الأمور للسيارة بالكامل تقريباً. فالأحياء الضخمة، والطرق الواسعة المخصصة للسيارات، والمسافات التي تبلغ كيلومترات عديدة بين الوجهات، كل ذلك يجعل المشي خياراً غير مريح. حتى في المواسم ذات الطقس اللطيف، يميل السكان إلى الذهاب إلى الحدائق بالسيارة، ثم الجلوس على المقاعد للقراءة أو للتنزه. قد تبدو قابلية الوصول مثالية تقريباً على الخرائط الفضائية، لكن مسارات الحياة الفعلية تُستبدل بمنطق السيارة.
أما بسكرة فتحتفظ بجينة مختلفة. هذه المدينة الواحية العريقة، بشوارعها الضيقة ومبانيها المتلاصقة، تضمّ العديد من الأماكن المفتوحة التي ليست حدائق رسمية، بل «غرف معيشة حضرية» تشكّلت طبيعياً من الفراغات بين المباني. هنا، لا يمثّل المشي مجرد وسيلة انتقال، بل هو أسلوب حياة. قد لا يقصد الناس «معلماً» بعينه، لكنهم يمرّون بالساحة في طريق عودتهم إلى المنزل، ويتوقفون عند كشك الشاي في زاوية الشارع لتبادل بضع كلمات مع الجيران.
لذا، عندما قارن الباحثون بين المدينتين، لم يروا مجرد اختلاف في التكوين المكاني، بل أيضاً تعريفين متباينين تماماً لمفهوم «العام» في ثقافتين حضريتين.
متغيرات تتجاوز التصميم
من النتائج المهمة لهذه الدراسة اكتشاف وجود «فجوة» بين قابلية الوصول إلى الفضاء واستخدامه الفعلي. ففي أبوظبي، حتى لو صُمّمت حديقة ما لتكون عقدة محورية في المنطقة، يظل مستخدموها محصورين في السكان القريبين منها؛ أما في بسكرة، فبعض الأماكن المفتوحة غير الرسمية لا تملك حتى مداخل واضحة، ومع ذلك يعتبرها السكان المحليون قلب مجتمعهم.وراء هذا كله، نتيجة تفاعل المناخ والثقافة والعادات الاجتماعية والتصميم المكاني. ففي مدن الخليج، تشكّل الشمس الحارقة والرطوبة العالية المشي بحد ذاته تحديًا؛ أما في منطقة التقاء البحر الأبيض المتوسط بالصحراء، فالساحات والأزقة المظللة تشجّع الناس بطبيعة الحال على التروّي. وتنقل الدراسة رأي الأكاديميين بأن الشكل الحضري قد “يسمح” أو “يمنع” اللقاءات والتواصل الاجتماعي، وهذا القول يتجلى بوضوح في الموقعين.
والأكثر واقعية أن الدراسة لا تقتصر على مقارنة مزايا وعيوب المدينتين. فمخططو المدن في أبوظبي بدأوا يعيدون النظر في نموذج التنمية الموجّه للسيارات، بينما تحتاج بسكرة إلى التفكير في كيفية تحسين البنية التحتية الحالية مع الحفاظ على حيوية الأحياء التقليدية. كلاهما يقف عند مفترق طرق خاص به.
هل المدينة القابلة للحياة تُصمَّم أم تُعاش؟
بالنسبة لسكان المدن المعتادين على قوائم “المدن الأكثر ملاءمة للعيش”، تقدّم هذه الدراسة منظورًا جديدًا: قابلية العيش في المدينة ربما لا تكمن في عدد المساحات الخضراء، بل في ما إذا كانت هذه المساحات مندمجة حقًا في إيقاع الحياة اليومية. فحديقة مصمّمة بشكل مثالي، إذا لم يمكن الوصول إليها دون الاعتماد على سيارة، فهي أقرب إلى “عيّنة منظر طبيعي” منها إلى “فضاء عام”.
ومن المهم أيضًا أن مستخدمي الفضاء الحضري غالبًا ما يكونون أكثر دراية من المخططين بكيفية “صناعة” الأماكن. حالة بسكرة تذكّرنا بأن أفضل تصميم في بعض الأحيان هو المتواضع: توفير مقعد، أو ظل شجرة، أو فسحة تسمح بالانحراف عن الطريق الرئيسي. أما أبوظبي فتقول لنا إن حتى أضخم البنى التحتية تحتاج إلى حوار جديد مع مقياس الإنسان.
ربما ما نحتاج حقًا إلى سؤاله ليس “كيف نجعل المزيد من الناس يستخدمون الحدائق؟”، بل “أي الأماكن تستحق أن يتوقف الإنسان عندها عن قصد؟”. وغالبًا ما يكون الجواب مخفيًا في الزوايا التي يحبها الناس لكن المخططين يتجاهلونها.
ملاحظة السجل العام · أبحاث حضرية
تضع أبحاث حضرية هذه الملاحظة ضمن مجلة مدينة عن أسلوب الحياة الحضري والاستهلاك الثقافي والأحياء الإبداعية وحياة الرحل الرقميين.: ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق. ينبغي فتح المصادر قبل إعادة استخدام الملخص؛ الحياة الحضرية / الطعام والثقافة / الليل والترفيه يوضح الزاوية التحريرية المحلية.