نصف المدينة الآخر: الاقتصاد الليلي يعيد تشكيل الحياة الحضرية العالمية

عندما تنحسر حرارة النهار وازدحامه، يصبح ليل المدينة جبهة جديدة. من لندن إلى نيويورك، لا يقتصر الاقتصاد الليلي على خلق قيمة بمليارات الدولارات، بل يغيّر أيضاً العلاقة بين الإنسان والمدينة.

عندما تستيقظ المدينة في الليل

عندما يحل الليل، لا تنام المدينة حقًا. إنها فقط تتنفس بإيقاع مختلف.

في نيويورك، تظل أضواء المطاعم مضاءة بعد منتصف الليل، وما زالت أصداء خطى متعجلة تسمع في محطات المترو؛ وفي لندن، تعبر سيارات الأجرة شوارع الحي المالي، وتتدفق جموع الناس بعد إغلاق الحانات إلى أكشاك الطعام الليلي. تشكل هذه المشاهد وجهًا آخر للاقتصاد الحضري — نظامًا بيئيًا ضخمًا يمتد من السادسة مساءً حتى السادسة صباحًا.

الأرقام مذهلة: الاقتصاد الليلي في نيويورك يدر 35.1 مليار دولار سنويًا، ويدعم حوالي 300 ألف وظيفة؛ بينما تساهم لندن بمبلغ 2.6 مليار جنيه إسترليني، مقابل أكثر من مليون فرصة عمل محلية. هذه ليست مجرد إحصاءات باردة، بل هي الحياة اليومية لعدد لا يحصى من الممرضين في الوردية الليلية، والموسيقيين، والطهاة، وعمال الأمن، وسائقي سيارات الأجرة.

ولكن لفترة طويلة، اعتُبرت هذه الساعات الاثنتا عشرة مجرد ملحق للنهار — منحنى مهمل. واليوم، يبدأ المزيد والمزيد من مديري المدن في إدراك أن الليل ليس مجرد فتات متبقٍّ، بل هو حدود لم تُستغل بعد بشكل كافٍ.

من "الحياة الليلية" إلى "الحوكمة الليلية"

"مدينة الـ24 ساعة" ليس مفهومًا جديدًا. في ثمانينيات القرن العشرين، طرح عالم الاجتماع الأمريكي موراي ميلبين فكرة أن الوقت مورد نادر، مثل الأرض، يمكن استغلاله باعتباره "حدودًا جديدة". ظهر هذا المفهوم لاحقًا بشكل تلقائي في عدة مدن حول العالم، وكان الهدف منه في البداية تحسين السلامة الليلية وتعزيز إحياء المناطق المركزية في المدن.

بعد أكثر من ثلاثين عامًا، أصبح مفهوم مدينة الـ24 ساعة أكثر ثراءً. لم يعد الأمر مجرد تمديد ساعات العمل أو زيادة خيارات الحياة الليلية، بل أصبح النظر إلى الوقت نفسه كمورد استراتيجي للمدينة — من خلال تحسين الخدمات المختلفة من المساء حتى الفجر، لجعل المدينة أكثر مرونة في عملها على مدار الساعة.

لإدارة هذا المجال المعقد، عيّنت أكثر من 60 مدينة حول العالم "عمدة ليليًا" أو أنشأت أقسامًا متخصصة. هذه الأدوار ليست مجرد منسقين للحفلات، بل يتعين عليهم معالجة تناقضات حضرية حقيقية ودقيقة: كيف يمكن للعمال الذين ينتهون من وردية الليل العودة إلى منازلهم بأمان؟ كيف نوازن بين الموسيقى الليلية المتأخرة ونوم السكان؟ كيف نجعل الأماكن العامة تبدو ودودة حتى في الظلام؟

إيقاع المدينة تحت الحرارة الشديدة

تغير المناخ يجبر المدن على إعادة التفكير في قيمة الليل.

في المملكة العربية السعودية، يجعل الحر الشديد الأنشطة الخارجية ترفًا بعيد المنال. لذلك أصبح التنزه في الحدائق بعد غروب الشمس عادة للعديد من الأسر. وتظهر حالات مماثلة في المدن الصحراوية الأمريكية ومنطقة الخليج: حيث يتم إعادة تصميم الحدائق والشواطئ والأماكن العامة مع إضافة مرافق إضاءة، ليُطلق العنان لليل كشريط عازل للاحتماء من حرارة النهار الشديدة.

ولهذا بدأت استراتيجيات التصميم الحضري تنقلب. في الماضي، كانت الأماكن العامة تُخطط أساسًا وفقًا للإضاءة النهارية وحركة المرور والأنشطة؛ واليوم، أصبحت تجربة الليل جزءًا من التكيف مع المناخ. الحياة العامة الليلية في المدينة أكثر خصوصية واسترخاءً من النهار، وتعكس بشكل أكبر الاحتياجات الحقيقية للسكان.

تصميم بنية تحتية للسائرين في الليل

لكي يزدهر الاقتصاد الليلي حقًا، لا يمكنه الاعتماد فقط على الكحول والإيقاعات. إنه يحتاج إلى بنية تحتية غير مرئية — شوارع آمنة، ونقل موثوق، وخدمات ميسورة التكلفة.تقدم أورلاندو نموذجًا مثيرًا للاهتمام. عادةً ما تُغلق الحانات والنوادي المحلية في الساعة الثالثة فجرًا، وغالبًا ما يتسبب ازدحام المغادرة بين منتصف الليل والثالثة فجرًا في اختناقات ومخاطر على السلامة. ولهذا، تعاونت المدينة مع أوبر وليفت لتحويل مسارات الحافلات مؤقتًا إلى مناطق صعود ونزول محددة جغرافيًا، مع توفير دورات مياه عامة وعربات طعام وموسيقى ومقاعد. لم يعزز ذلك السلامة فحسب، بل جعل الانتظار أكثر حيوية.

أما لندن فتوجه نظرها إلى مجموعة أخرى يسهل التغاضي عنها: العاملون الليليون. يعمل في هذه المدينة حوالي مليون و600 ألف شخص — أي ثلث القوى العاملة — في الليل أو في ساعات الفجر الأولى. ولمنحهم مكانًا لائقًا للاستراحة في الرابعة فجرًا، تشيّد لندن «مراكز العمل الليلي»، التي توفر مرافق صحية ومساحات للراحة وخدمات شحن، بل وشعورًا بالمجتمع بمعنى ما.

نبض الليل في البيانات

تكشف بيانات الإنفاق عن حيوية الليل. فبعد تتبع أنماط الإنفاق في مناطق مختلفة من نيويورك، وجد معهد ماستركارد للأبحاث الاقتصادية أن الإنفاق على المطاعم والحانات ارتفع بشكل ملحوظ بعد الجائحة، خاصة الإنفاق الليلي في المنطقة المالية — خلال الفترة من الجمعة إلى الأحد — الذي نما بنسبة 135% منذ عام 2019.

هذه الظاهرة مثيرة للتأمل. لطالما كانت المنطقة المالية «جزيرة مكاتب» نموذجية، تعج بالحركة نهارًا وتخلو منها ليلًا. لكنها اليوم تبدو في طور التحول إلى حي مختلط حقيقي. فزيادة الإنفاق الليلي ليست مجرد انتعاش للطلب على الترفيه، بل علامة على إعادة تعريف وظائف مراكز المدن.

نحو مدينة 24 ساعة حقيقية

أدى صعود التجارة الرقمية وانتشار العمل عن بُعد إلى تغيير أنماط التنقل التقليدية، كما جعل الحركة النهارية في المناطق التجارية عالية الكثافة أقل يقينًا. وفي هذا السياق، أصبح الاقتصاد الليلي نقطة ارتكاز مهمة لاستعادة حيوية المدن.

كما يتزايد التعاون الدولي. فقد جمع المنتدى الاقتصادي العالمي وماستركارد «شبكة مدن الـ24 ساعة» التي تضم مدنًا وأكاديميين ومجتمعات محلية وقطاعًا خاصًا، لعقد نقاشات مواضيعية تمتد من الحوكمة والسلامة والتنقل إلى التنمية الاقتصادية. ويُعد تطوير النقل في أورلاندو ومراكز العمل الليلي في لندن من ثمار هذا النوع من التعاون.

المدينة التي تعمل على مدار الساعة حقًا لا تتطلب أن تكون كل شوارعها مضيئة ولا تتوقف أبدًا. بل تعني أن المدينة مستعدة لرعاية سكانها في ساعات الظلام — أولئك الذين يتوجهون إلى أعمالهم في الفجر، والذين عدّلوا مواعيدهم اليومية بسبب شدة الحر، والذين لا يفضلون التنزه إلا في الليل.

عندما تتعلم المدينة احترام النصف الآخر من الزمن، عندها فقط تكتمل حقًا.

ملاحظة السجل العام · أبحاث حضرية

تضع أبحاث حضرية هذه الملاحظة ضمن مجلة مدينة عن أسلوب الحياة الحضري والاستهلاك الثقافي والأحياء الإبداعية وحياة الرحل الرقميين.: ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق. ينبغي فتح المصادر قبل إعادة استخدام الملخص؛ الحياة الحضرية / الطعام والثقافة / الليل والترفيه يوضح الزاوية التحريرية المحلية.

كيف يعيد الاقتصاد الليلي تشكيل المدن العالمية؟ استراتيجيات المدن على مدار 24 ساعة من نيويورك إلى لندن | City Life Insights