عائد التجربة: عندما تصبح المدن ساحة معركة جديدة للتنافس على المواهب

بعيدًا عن الرواتب والمزايا، أصبحت التجربة اليومية للمدينة قوةً خفيّةً تحدد بقاء المواهب أو رحيلها. يكشف أحدث بحث لريتشارد فلوريدا وزملائه أن المدن التي تواصل التقدم في تجربة الحياة هي التي تكسب الأصول الأكثر أهمية — الشباب.

في مساء يوم خميس، بدأت أضواء صفراء دافئة تضيء ساحة بافليون في كوالالمبور. يتجاذب الناس أطراف الحديث في المقاهي المفتوحة، وتتمايل النباتات الاستوائية في النسيم، وتتضح تدريجيًا معالم البرجين التوأمين في البعيد. وفي الوقت نفسه، على ممشى دبي البحري، يمرّ عدّاؤون بتركيبات فنية افتُتحت حديثًا، وبجانبهم عائلات مع أطفال. وفي أحد أحياء بنغالور، يخرج رواد الأعمال من مساحات العمل المشتركة وينعطفون نحو حانة بيرة حرفية في زقاق، حيث تُعزف موسيقى الجاز مباشرة. تبدو هذه المشاهد عادية، لكنها أصبحت من أهم العوامل المحددة في تنقل المواهب العالمية.

لفترة طويلة، اعتمدت الشركات في جذب المواهب على الرواتب والمزايا وثقافة الشركة وآليات الإدارة. لا تزال هذه الأمور مهمة، لكن معادلة المواهب تتغير. المدن الأكثر اهتمامًا — لندن وباريس وطوكيو — تمتلك أكبر عدد من المتاحف والمطاعم والحدائق والجامعات، لكن التجربة الفعلية لعيش الناس في هذه المدن ليست بالضرورة متناسبة مع كثافة المرافق. الازدحام والتكلفة العالية والمسافات والضغط تجعل من جاذبية هذه المدن الكبرى أقل بكثير.

أصدر المنتدى الاقتصادي العالمي وشركة بوسطن للاستشارات (BCG) تقريرًا مشتركًا طرحا فيه مفهومًا: "عائد التجربة" (experience dividend). ويشير إلى أن جودة التجارب اليومية التي تقدمها المدينة لسكانها وعمالها أصبحت رافعة رئيسية لجذب المواهب والاحتفاظ بها. استطلع الباحثون آراء ما يقرب من 17 ألف متخصص في أكثر من 80 مدينة عبر خمس قارات، ولأول مرة فصلوا بين "كثافة المرافق" و"الشعور بالتجربة". ووجدوا أن المدن الأعلى كثافة في المرافق لا تنتج بالضرورة أسعد الموظفين. ما يتنبأ حقًا بالرضا الوظيفي هو ما إذا كان السكان يعتقدون أن المدينة تتحسن، خاصة في مجالات الترفيه والتسلية وتجارب الحياة اليومية.

البيانات مفاجئة. في المدن ذات الرضا المرتفع عن التجربة، قال 78% من المستطلعين إنهم يحبون وظائفهم؛ بينما في المدن ذات الرضا المنخفض عن التجربة، بلغت النسبة 48% فقط. الفارق بينهما 30 نقطة مئوية، وهذا البعد تقريبًا تجاهلته رادارات جميع الشركات. عندما قارن الباحثون 11 عنصرًا من عناصر الحياة الحضرية معًا، جاء البعد التجريبي في المرتبة الأولى بالتساوي مع الفرص الاقتصادية، بل وتجاوز السكن والرعاية الصحية والنقل والأمان. بعبارة أخرى، المكان الذي تعيش فيه وكيف تشعر بالمدينة يوميًا يكاد يكون بنفس أهمية العمل الذي تقوم به.

تأثير عائد التجربة على الاستبقاء واضح بشكل خاص. في المدن ذات التجربة العالية، ترتفع نسبة الموظفين الذين يخططون للبقاء بمقدار 12 نقطة مئوية. والفجوة العمرية أكثر إدهاشًا: بين الشباب دون 25 عامًا، تصل فجوة الاستبقاء بين المدن مرتفعة التجربة ومنخفضة التجربة إلى 20 نقطة مئوية؛ بينما لدى الموظفين في الخمسينيات تبلغ 6 نقاط فقط. وهذا يعني أن الجودة اليومية للمدينة تجذب المواهب الشابة أكثر بكثير من جاذبيتها لكبار السن. وفي قطاع تكنولوجيا المعلومات الأكثر مرونة في العمل عن بُعد، لا تزال فجوة التجربة تؤدي إلى فارق رضا يصل إلى 20 نقطة مئوية. لا يمكن للرواتب سد هذه الفجوة — تشير البيانات إلى أن الانتقال إلى مدينة ذات تجربة أفضل يعزز الرضا الوظيفي بمقدار يعادل تقريبًا الترقية إلى مستوى دخل أعلى.هذه النتائج تعيد تشكيل منطق اختيار المواقع لدى الشركات والمدن. لم تعد المدينة مجرد تجمع للمباني المكتبية، بل أصبحت تقترح أسلوب حياة. المدن التي تم تجاهلها — دبي وبنغالور وكوالالمبور والرياض وباكو — أصبحت وجهات جديدة للمواهب بفضل مساحاتها العامة الأكثر انفتاحًا، وحياتها الليلية الأكثر ثراءً، وتجارب المشي الأكثر متعة، وإحساسها الأقوى بالمجتمع. قد لا تمتلك مقاهي باريس العريقة، لكنها توفر أجواء شوارع أكثر راحة، وضغوط تنقل أقل، ونظامًا إبداعيًا أكثر نشاطًا.

وبالنسبة للشركات، لم يعد اختيار موقع المكاتب مجرد حساب للتكاليف. فالمدينة التي تجعل الموظفين يرغبون في المشي بالحدائق بعد انتهاء العمل، واحتساء القهوة في متجر صغير عند زاوية الشارع، والمشاركة في مهرجان موسيقي مجتمعي في عطلة نهاية الأسبوع، ستحقق ولاءً وإبداعًا أعلى. غير أن العديد من الشركات لا تزال تطارد "المدن النجمية" التقليدية بدافع من الجمود، وتتجاهل الإشارة الحقيقية: هل تتحسن هذه المدينة؟

أما بالنسبة لإداريي المدن، فلم يعد الاستثمار في التجربة الحضرية مجرد "تجهيزات ثانوية". فالحدائق والمساحات العامة والأماكن الثقافية والحياة الليلية وقابلية المشي، عناصر تبدو غير مرتبطة بالاقتصاد، لكنها في الواقع عملة صعبة في المنافسة على المواهب. فالمدينة تجذب الشركات، والشركات تجذب المواهب، والمواهب تحدد مستقبل المدينة. والمدن التي تدرك أرباح التجربة أولًا ستمتلك حوض مواهب أعمق وأكثر استقرارًا، وتفوز في النهاية بالنمو على المدى البعيد.

ربما لم يعد مؤشر نجاح المدينة هو كثافة ناطحات السحاب، بل ما إذا كان الناس على استعداد للبقاء لحظة إضافية بعد انتهاء اليوم. هذه المتعة في تلك اللحظة القصيرة هي قيمة أرباح التجربة.

ملاحظة السجل العام · أبحاث حضرية

تضع أبحاث حضرية هذه الملاحظة ضمن مجلة مدينة عن أسلوب الحياة الحضري والاستهلاك الثقافي والأحياء الإبداعية وحياة الرحل الرقميين.: ما زالت التواريخ والأسماء وتغيرات الحالة تحتاج إلى تحقق. ينبغي فتح المصادر قبل إعادة استخدام الملخص؛ الحياة الحضرية / الطعام والثقافة / الليل والترفيه يوضح الزاوية التحريرية المحلية.